محمد حسين هيكل

111

حياة محمد ( ص )

الفصل السادس قصة الغرانيق عود مهاجري الحبشة - الغرانيق العلا - تمسك المستشرقين بقصتها - أسانيدهم في ذلك - ضعف هذه الأسانيد - القصة ظاهرة الكذب بنفيها التمحيص العلمي . عود مهاجري الحبشة أقام المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب . وعلم هؤلاء المهاجرون ما حدث على أثر إسلامه من رجوع قريش عن إيذائها محمدا ومن اتبعه ، فعاد كثير منهم في رواية ، وعادوا كلّهم في رواية أخرى إلى مكة . فلما بلغوها رأوا قريشا عادت إلى إيذاء المسلمين وإلى الإمعان في عداوتهم أشدّ مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل ، فعاد إلى الحبشة من عاد ، ودخل مكة من دخل مستخفيا أو بجوار . ويقال : إن اللذين عادوا استصحبوا معهم عددا آخر من المسلمين أقاموا بالحبشة إلى ما بعد الهجرة وإلى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة . أيّ داع حفز مسلمي الحبشة إلى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها ؟ هنا يرد حديث الغرانيق الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى والطبري في تاريخ الرسل والملوك ، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة ، والذي أخذ به جماعة من المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا . وحديث الغرانيق أن محمدا لمّا رأى تجنب قريش إيّاه وأذاهم أصحابه تمنى فقال : ليته لا ينزل عليّ شيء ينفرهم مني ، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى : ( أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) « 1 » ) فقرأ بعد ذلك : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى . ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد في آخرها . وهنالك سجد القوم جميعا لم يتخلّف منهم أحد . وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبيّ ، وقالوا : قد عرفنا أن اللّه يحيي ويميت ويخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده . أمّا إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك . وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم . وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ الحبشة ؛ فقال المسلمون بها : عشائرنا أحبّ إلينا ، وخرجوا راجعين . فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم ، فقالوا : ذكر آلهتهم بخير فتابعه الملأ ، ثم ارتدّ عنها فعاد

--> ( 1 ) آيتا 19 و 20 .